استكشاف كوكب الزهرة بواسطة مركبة تعمل بالهيليوم

صورة_20221020102717

اختبر العلماء والمهندسون نموذجًا أوليًا لمنطاد فينوس في صحراء بلاك روك بولاية نيفادا في يوليو 2022. وقد أكملت المركبة المصغرة بنجاح رحلتين تجريبيتين أوليتين.

بحرارتها الحارقة وضغطها الهائل، يُعد سطح كوكب الزهرة بيئة قاسية لا ترحم. في الواقع، لم تستمر المركبات الفضائية التي هبطت هناك حتى الآن سوى بضع ساعات على الأكثر. ولكن قد يكون هناك سبيل آخر لاستكشاف هذا العالم الخطير والآسر، يتجاوز المركبات المدارية التي تدور حول الشمس على بُعد خطوات من الأرض. ألا وهو المنطاد. فقد أعلن مختبر الدفع النفاث التابع لوكالة ناسا في باسادينا، كاليفورنيا، في 10 أكتوبر 2022، أن منطادًا آليًا جويًا، وهو أحد مفاهيمها في مجال الروبوتات الجوية، قد أكمل بنجاح رحلتين تجريبيتين فوق ولاية نيفادا.

استخدم الباحثون نموذجًا أوليًا تجريبيًا، وهو نسخة مصغرة من بالون يمكن أن ينجرف يومًا ما عبر السحب الكثيفة لكوكب الزهرة.

أول رحلة تجريبية لنموذج أولي لمنطاد فينوس

يبلغ قطر الروبوت الجوي المخطط له فينوس 40 قدمًا (12 مترًا)، أي حوالي ثلثي حجم النموذج الأولي.

أجرى فريق من العلماء والمهندسين من مختبر الدفع النفاث (JPL) وشركة نير سبيس في تيلاموك، بولاية أوريغون، رحلة تجريبية. ويشير نجاحهم إلى إمكانية بقاء بالونات الزهرة في غلافها الجوي الكثيف. سيحلق البالون على سطح الزهرة على ارتفاع 55 كيلومترًا. ولمحاكاة درجة الحرارة وكثافة الغلاف الجوي للزهرة في التجربة، رفع الفريق البالون التجريبي إلى ارتفاع كيلومتر واحد.

لقد تصرف البالون بكل الطرق كما صُمم له. صرّح جاكوب إزرايلفيتز، الباحث الرئيسي في مختبر اختبار الطيران التابع لمختبر الدفع النفاث، والمتخصص في الروبوتات، قائلاً: "نحن سعداء للغاية بأداء النموذج الأولي. فقد انطلق، وأظهر قدرة على التحكم في الارتفاع، وأعدناه بحالة جيدة بعد الرحلتين. لقد سجلنا بيانات شاملة من هاتين الرحلتين، ونتطلع إلى استخدامها لتحسين نماذج المحاكاة لدينا قبل استكشاف كوكبنا الشقيق."

وأضاف بول بيرن من جامعة واشنطن في سانت لويس، وهو متعاون في مجال علوم الروبوتات الفضائية: "إن نجاح هذه الرحلات التجريبية يعني لنا الكثير، فقد أثبتنا بنجاح التقنية اللازمة لدراسة سحابة الزهرة. وتضع هذه الاختبارات الأساس لكيفية تمكيننا من استكشاف سطح الزهرة القاسي بواسطة الروبوتات على المدى الطويل."

السفر في رياح الزهرة

فلماذا استخدام البالونات؟ ترغب ناسا في دراسة منطقة من غلاف كوكب الزهرة الجوي تقع على ارتفاع منخفض جدًا بحيث يتعذر على المركبة المدارية تحليلها. وعلى عكس المركبات الهابطة التي تنفجر في غضون ساعات، يمكن للبالونات أن تطفو في الهواء لأسابيع أو حتى أشهر، منجرفةً من الشرق إلى الغرب. كما يمكن للبالون أن يغير ارتفاعه بين 52 و62 كيلومترًا (171,000 إلى 203,000 قدم) فوق سطح الكوكب.

مع ذلك، لا تعمل الروبوتات الطائرة بمعزل عن غيرها، فهي تعمل بالتنسيق مع مركبة مدارية فوق غلاف كوكب الزهرة الجوي. وإلى جانب إجراء التجارب العلمية، يعمل البالون أيضاً كحلقة وصل للاتصال مع المركبة المدارية.

بالونات داخل بالونات

قال الباحثون إن النموذج الأولي عبارة عن "بالون داخل بالون". مضغوطالهيليوميملأ خزانًا داخليًا صلبًا. في الوقت نفسه، يمكن للبالون الخارجي المرن المملوء بالهيليوم أن يتمدد وينكمش. كما يمكن للبالونات أن ترتفع أو تنخفض. ويتم ذلك بمساعدةالهيليومفتحات تهوية. إذا أراد فريق المهمة رفع البالون، فسيقومون بتفريغ غاز الهيليوم من الخزان الداخلي إلى البالون الخارجي. ولإعادة البالون إلى مكانه،الهيليوميتم تصريف الغازات مرة أخرى إلى الخزان. وهذا يتسبب في انكماش البالون الخارجي وفقدانه بعضًا من طفوه.

بيئة أكالة

على الارتفاع المخطط له، 55 كيلومترًا فوق سطح كوكب الزهرة، لا تكون درجة الحرارة شديدة ولا الضغط الجوي مرتفعًا. مع ذلك، يظل هذا الجزء من غلاف الزهرة الجوي قاسيًا، نظرًا لاحتواء السحب على قطرات من حمض الكبريتيك. ولمواجهة هذه البيئة المسببة للتآكل، صمّم المهندسون البالون من طبقات متعددة من المواد. تتميز هذه المواد بطبقة مقاومة للأحماض، وطبقة معدنية لتقليل التسخين الشمسي، وطبقة داخلية متينة بما يكفي لحمل الأجهزة العلمية. حتى الأختام مقاومة للأحماض. وقد أظهرت اختبارات الطيران أن مواد البالون وتصميمه مناسبان أيضًا لكوكب الزهرة. تُعدّ المواد المستخدمة في تصنيع البالون لتحمل ظروف الزهرة تحديًا كبيرًا، كما أن متانة التعامل التي أظهرناها خلال عملية الإطلاق والاستعادة في نيفادا تمنحنا ثقة كبيرة في موثوقية بالوناتنا على كوكب الزهرة.

صورة_20221020103433

لعقودٍ طويلة، اقترح بعض العلماء والمهندسين استخدام المناطيد كوسيلة لاستكشاف كوكب الزهرة. وقد يصبح هذا الأمر واقعاً قريباً. الصورة من وكالة ناسا.

العلوم في الغلاف الجوي لكوكب الزهرة

يُجهّز العلماء بالونات لإجراء تحقيقات علمية متنوعة، تشمل البحث عن الموجات الصوتية في الغلاف الجوي الناتجة عن زلازل كوكب الزهرة. ومن بين التحليلات الأكثر إثارةً دراسة تركيب الغلاف الجوي نفسه.ثاني أكسيد الكربونيشكل معظم غلاف كوكب الزهرة الجوي، مما يُغذي ظاهرة الاحتباس الحراري الجامح التي جعلت سطح الزهرة جحيماً حقيقياً. قد يُقدم التحليل الجديد أدلة مهمة حول كيفية حدوث ذلك بالضبط. في الواقع، يقول العلماء إن الزهرة في بداياتها كانت أشبه بالأرض. فما الذي حدث؟

بالطبع، منذ أن أعلن العلماء عن اكتشاف الفوسفين في غلاف كوكب الزهرة الجوي عام 2020، عاد الاهتمام مجددًا بمسألة وجود حياة محتملة في غيوم الزهرة. لا تزال أصول الفوسفين غير مؤكدة، وبعض الدراسات تشكك في وجوده. لكن مهمات البالونات كهذه ستكون مثالية لإجراء تحليل معمق للغيوم، وربما حتى تحديد أي ميكروبات بشكل مباشر. قد تساعد مهمات البالونات هذه في كشف بعض أسرار كوكب الزهرة الأكثر غموضًا وتحديًا.


تاريخ النشر: 20 أكتوبر 2022